كيف بدأ النفوذ الشايقى الجعلى الدنقلاوى على السودان، ولماذا انتشرت المسيحية فى عهد الانقاذ ؟! - Hooosh News

Hooosh News

الموقع الرسمي لمنصة الحوش Hooosh.فضائية الحوش على النايل سات التردد 10815 أفقي ترميز 27500

اخر الأخبار

اعلان

ضع إعلانك هنا

اعلان

إعلانك هنا

الأحد، 12 أغسطس 2018

كيف بدأ النفوذ الشايقى الجعلى الدنقلاوى على السودان، ولماذا انتشرت المسيحية فى عهد الانقاذ ؟!

ترجمة وتعليق: د. زهير السراج

السودان، جنوب السودان ودارفور (6 ) 

* استعرض (اندرو ناتسيوس ) المبعوث الأمريكى السابق الى السودان فى كتابه (السودان، جنوب السودان ودارفور)، تاريخ السودان الحديث بدايةً من الغزو التركى المصرى فى عام 1821، برؤية تحليلية عميقة مع خلفية قصيرة عن تاريخ السودان الوسيط (ممالك الفوروالفونج والشلك والزاندى)، وذلك بغرض تفسير الازمات التى عانى منها السودان فيما بعد ولا يزال، مثل سيطرة قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة على السلطة بعد استقلال السودان، والصراع بين الاسلام الصوفى والسلفى، والمحاولات المستمرة لتعريب وأسلمة السودان وما قادت اليه هذه العوامل وغيرها من ازمات وصراعات وحروب دامية!!

* شهد السودان اربع ممالك كبرى (ضمن أخرى) قبل الغزو التركى، وهى الفور والفونج والشلك والزاندى.

* نشأت مملكة الفور على مدى ثلاثة قرون، الى ان وصلت اقصى اتساع لها فى القرن السادس عشر الميلادى، وشملت منطقة غرب السودان بمافى ذلك اجزاء من منطقة غرب كردفان، بالاضافة الى اجزاء من دولتى تشاد وافريقيا الوسطى الحاليتين، ويقول الفور ان القبيلة اعتنقت الاسلام فى القرن السادس عشر، على يد أمير مغربى طرده الملك الاسبانى فرديناند فى عام 1492، فاتجه الى شمال افريقيا عبر خطوط التجارة، واستقر به المقام اخيرا فى سلطنة الفور، فالتقى بالسلطان وأدخله فى الاسلام، وتزوج أخته، كما أدخل اللغة العربية التى أصبحت هى ولغة الفور، اللغتين السائدتين فى البلاط السلطانى، ولقرون عديدة ظل الاسلام الصوفى هو السائد فى المملكة والقبيلة. 

* وكما هو معروف فى التاريخ، فان سلاطين الفور اتخذوا من جبل مرة عاصمة لهم، قبل ان تنتقل العاصمة فيما بعد الى مدينة الفاشر، وظلت مملكة الفور فى حالة توسع وازدهار ودانت لها السيادة على كل الاقليم وقبائله حتى القرن التاسع عشر، الذى شهد الكثير من التغيرات الاقليمية والدولية، فتأثرت بها المملكة وبدأت تضعف تدريجيا، حتى انهارت وانتهت عمليا فى عام 1916.

* مملكة الفونج تمركزت فى المنطقة التى تعرف حاليا بولاية النيل الأزرق المتاخمة للحدود الاثيوبية، ولقد ضمت عدة قبائل من أصول أفريقية، تدين بالاسلام الصوفى، وتعود نشأتها الى عام 1504 عندما أسس عمارة دنقس ما عرف فى التاريخ باسم ( السلطنة السوداء) ـ Black Sultanate ـ السوداء وليس الزرقاء كما تشير تسميها كتب ومناهج التاريخ السودانية (المحرر)، ولقد نجح (دنقس) فى استيعاب وضم القبائل الصغيرة فى المنطقة الى مملكته التى كان ملكها يعرف باسم (المك)، ولا يزال للفونج (مك) حتى اليوم، ولكنه بلا سلطات حقيقية بعد ايلولة جميع السلطات الى الانظمة التى حكمت السودان فى القرن العشرين، خاصة بعد الاستقلال.

* نشأت قبيلة الزاندى فى منطقة جنوب غرب السودان من قبيلة (الأفونجارا)، التى نجحت على مدى مائة وخمسين عاما قبل القرن التاسع عشر من فرض سيطرتها وبسط نفوذها على القبائل الاخرى، وتوسيع مملكتها بنفس النمط الذى توسعت به قبيلة الفور، وبما ان الاسلام لم يكن قد توغل جنوبا، فلقد ظلت قبائل المملكة تعتنق ديانات محلية، الى ان تحولت بعد الغزو الاوربى للقارة فى القرن التاسع عشر الى المسيحية، التى ازدهرت وانتشرت بسرعة فيما بعد بين مواطنى جنوب السودان بسبب محاولات (الأسلمة والعربنة ) التى ظلت حكومات الخرطوم تفرضها على مواطنى الجنوب بعد الاستقلال، بالاضافة الى الحرب الأهلية وما شهدته من فظاعات ارتكبتها الحكومات السودانية، خاصة بعد سيطرة الترابى والبشير على السلطة بانقلاب عسكرى فى يونيو 1989، ورفعهم لشعارات الجهاد الاسلامى والحرب المقدسة التى كانت الحكومة تشنها على مواطنى جنوب السودان الذى شهد اكبر عملية تحول دينى فى العالم فى فترة وجيزة لا تتعدى عشر سنوات من استيلاء الترابى والبشير على السلطة فى السودان.

* مملكة الشلك نشأت فى القرن الخامس عشر على جانبى النيل الابيض فى منطقة شمال ووسط دولة جنوب السودان الحالية، وكانت تتكون من مجموعة قبائل وتتخذ من مدينة (فاشودة) عاصمة لها، وظلت مثل مملكة الزاندى تعتنق الديانات المحلية حتى تحولت الى المسيحية فيما بعد، ولقد تأثرت المملكة بالغزو التركى ثم الغزو الأوروبى فى القرن التاسع عشر، ولم يعد لسطان الشلك (الرث) اى سلطات حقيقية بعد ايلولة كل السلطات الى الانظمة الحكومية فيما بعد، رغم وجود رث للشلك حتى اليوم.

* كان ذلك هو المشهد السياسى السودانى، الذى وقع فيه غزو الجيش المصرى للسودان تحت إمرة (اسماعيل كامل باشا) الابن الثالث للقائد الألبانى الجنسية الخديوى (محمد على باشا)، الذى نجح فى تثبيت دعائم حكمه فى مصر بنوع من الاستقلالية والحكم الذاتى عن السلطان العثمانى فى تركيا، ثم شرع فى تنفيذ اطماعه التوسعية، فقام بغزو السودان فى عام 1821 الذى شهد بداية تاريخ السودان الحديث.

* سار الجيش المصرى بقيادة اسماعيل بمحاذاة نهر النيل غازيا السودان بدون عقبات تذكر ماعدا مقاومة قبيلة (الشايقية)، وهى القبيلة السودانية الوحيدة التى فعلت ذلك، وبسبب ما اظهره فرسانها من شجاعة وبسالة فى الحرب استوعبهم فى جيشهم، وعندما أظهروا الولاء والإخلاص للحكم الجديد، بدأ نفوذهم يتمدد لممارسة نوع من السلطة على المواطنين الى ان صاروا أخيرا المكلفين بجبى الضرائب للحكم التركى المصرى فى السودان !!

* ويضيف اندرو ناتسيوس المبعوث الأمريكى السابق الى السودان ومؤلف كتاب (السودان، جنوب السودان ودارفور)، إن تلك كانت بداية سيطرة قبيلة الشايقية مع قبيلتى الجعلية والدناقلة على السلطة فى السودان، والتى زادت بعد الاستقلال واستمرت حتى اليوم، والى قبيلة الشايقية ينتمى على عثمان محمد طه نائب الرئيس السابق، الذى قاد وفد المفاوضات الحكومى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل فى يناير عام 2005، بينما ينتمى الرئيس عمر البشير الى قبيلة الجعلية ( فى حقيقة الأمر فان والدة البشير هى التى تنتمى لقبيلة الجعلية بينما ينتمى والده الى قبيلة البديرية الدهمشية، وبالتالى فان البشير وحسب الأبوة هو بديرى دهمشى وليس جعليا، المحرر)!!

* يقول ناتسيوس، إن قبيلة الجعليين إختارت ألا تقاوم الغزو التركى وان تدين له بالولاء والطاعة، ثم كانت اول من تمرد عليه فيما بعد بسبب السياسات التعسفية للحكم والضرائب الباهظة، وقامت باحراق اسماعيل وكبار قادته أثناء نومهم، ومن ثم اشتعلت شرارة الثورة على طول نهر النيل على المستعمر التركى المصرى، غير أن فرسان قبيلة الشايقية بقوا على ولائهم واخلاصهم للاتراك ولعبوا دورا كبيرا فى حمايتهم من حصار وهجمات الجعليين والقبائل الأخرى.

* لم يسكت الخديوى محمد على باشا على حرق ابنه فأمر قائد جيشه فى غرب السودان وصهره الدفتردار باشا بالانتقام، فتوجه الى وادى النيل وشن حربا لا هوادة فيها ضد الثوار قضى فيها ما يقل عن 30 الف شخص، بينهم الكثير من الاطفال والعجزة واستبيحت ديار الجعليين فترة طويلة من الزمن شهدت الكثير من الفظائع والأهوال، وكانت النتيجة ان ظلت النخب السودانية القبلية فى حالة كمون طيلة ستين عاما بعد الحملة الانتقامية لم تتمرد فيها على الحكم التركى. 

* ويضيف ناتسيوس، إن الحكام الاتراك الذين بعثت بهم مصر فى سنوات ما بعد الغزو كانوا اعقل بكثير من سابقيهم، وبذلوا مجهودات واضحة فى اعادة الاستقرار الى المزارعين الذين هجروا مناطق الزراعة بسبب الحرب، كما اتبعوا سياسات اقل تعسفا فى جبى الضرائب وكانوا يستمعون لرأى النخب القبلية فى مسائل الحكم، غير أن الإرث الذى تركوه لم يكن بَناءا، إلا انه اوجد نوعا من الاستقرار والنظام فى السودان، ولكن بثمن غال جدا!! 

* اولا، كان الاقتصاد يعتمد بشكل اساسى على نظام معقد جدا تأتى عائداته المالية من مصدرين اساسيين ذوى ربحية عالية هما تجارة الرقيق وتجارة العاج، وكانت ارقام الرقيق تصل الى 30 الف شخص يُسترقون سنويا من جنوب السودان ويهجّرون الى مصر للعمل كجند فى الجيش، بينما يباع الاطفال والنساء كخدم، ولقد افرغت مناطق كاملة فى الجنوب من مواطنيها خلال القرن التاسع عشر نتيجة ذلك. فى الحقيقة ان تجارة الرقيق بدأت قبل ذلك بقرون حيث اعتاد التجار المصريون على اخذ الرقيق من مملكة الفونج، ولكن الفرق هو حجم التجارة الضخم خلال حقبة الحكم التركى المصرى.

* ثانيا، ركز الاتراك اهتمامهم على منطقة وادى النيل وأهملوا المناطق الاخرى التى لم تكن تعنى لهم شيئا سوى كونها مصدرا للموارد الطبيعية، وبالتالى وضعوا اللبنة الأولى لممارسة التهميش على تلك المناطق، والذى ظل مستمرا حتى بعد استقلال السودان وتسبب فى الكثير من المشاكل والصراعات والحروب!!

* كما أدخل الاتراك خلال فترة وجودهم فى السودان الاسلام الرسمى الذى يتمثل فى شيوخ الأزهر والمعاهد الدينية الأخرى، زهو الذى جاء منه الاسلام السلفى الذى يسود منطقة وادى النيل حاليا وينتمى اليه الكثير من السودانيين المسلمين مثل الدكتور الترابى، ولقد ادى دخول الاسلام الرسمى الى حدوث توترات مستمرة لا تزال قائمة حتى اليوم مع الاسلام الصوفى الذى يسود فى المناطق الريفية، حيث كان الأزهريون وخلفاؤهم السلفيون ينظرون الى الاسلام الصوفى كنوع من انواع الفساد الدينى، وإذا نظرنا الى المشهد السياسى فى السودان اليوم لاكتشفنا ان حزبين كبيرين من الاحزاب السياسية، هما حزب الأمة الذى تسيطر عليه اسرة المهدى التى حاربت الاستعمار التركى المصرى، وحزب الاتحادى الذى تسيطر عليه اسرة الميرغنى التى تحتفظ بعلاقات حميمة مع مصر، هما نتاج للانقسام الدينى فى السودان الذى بدأ مع دخول الأترك!!

* غير ان الحكم التركى لم يكن كله سوءا، ففى اوائل ستينيات القرن التاسع عشر، أدخل اسماعيل باشا خديوى مصر صاحب الثقافة الغربية، العديد من وسائل التكنولوجيا الحديثة الى السودان مثل السفن البخارية وخطوط السكة حديد والتلغراف والبريد والمدارس الحكومية، كما نجح بضغط من الحكومات الاوربية فى تحجيم تجارة الرقيق بشكل كبير، والتى ظلت تمارس على مستوى محدود حتى توقيع اتفاقية السلام فى عام 2005 التى اوقفت الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان، وعمليات الغزو بواسطة بعض القبائل الشمالية بغرض استرقاق المواطنين الجنوبيين!! 

* كانت جهود مناهضة الرق قد بدأت فى بريطانيا عام 1807على يد العضو البرلمانى (ويليام ويلبرفورث) الذى تقدم بمشروع قانون يمنع تجارة الرقيق فى الامبراطورية البريطانية وافق عليه البرلمان، ولكن ظل الرق نفسه ممارسا حتى صدر قانون آخر بمنعه وتجريمه فى عام 1833، واُفتتح اول مكتب لمناهضة الرق فى السودان فى عام 1849 بواسطة الارسالة التبشيرية البروتستانتية البريطانية، ومن ثم بدأ اول عمل مؤسس لمناهضة الرق فى السودان وهو الأب الشرعى لمجهودات مناهضة الرق فى السودان، وحماية مواطنى الجنوب ودارفور من مخاطر الحروب الأهلية التى بذلتها المنظمات التبشيرية المسيحية فيما بعد !!

* رغم مجهودات الخديوى اسماعيل فى ادخال التكنولوجيا الى السودان الا ان اطماعه التوسعية ومحاولاته المستمرة لغزو مناطق جديدة فى السودان جنوبا وغربا، آملا من ذلك الى توسيع التجارة مع الممالك الافريقية على طول نهر النيل فى مناطق النفوذ الاوربى، أدت الى انهاك الدولة المصرية اقتصاديا وأغضبت عليه الدول الاوربية، وزاد الطين بلة بالحميات والملاريا التى قضت على اعداد مقدرة من الجيوش فى منطقة السدود بجنوب السودان، بالاضافة الى مقاومة القبائل النيلية للغزو، فأصدر السلطان العثمانى تحت الضغط الاوروبى قرارا بإقالة الخديوى اسماعيل فى عام 1879 ، وكانت تلك بداية النهاية للحكم التركى المصرى فى السودان الذى أخذ يضعف تدريجيا ويستخدم جنرالات بريطانيين لقيادة جيوشه فى السودان حتى قضت عليه جيوش الامام المهدى نهائيا وأخرجته من السودان فى عام 1885م.
* نلتقى فى الحلقة القادمة باذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك

اعلان

إعلانك هنا