ما هي الحكمة ؟ - Hooosh News

Hooosh News

الموقع الرسمي لمنصة الحوش Hooosh.وقناة الحوش للإعلام البديل للتوعية والاستنارة

اخر الأخبار

التسميات

الاثنين، 20 أغسطس 2018

ما هي الحكمة ؟




 عبد الحليم عباس
عكس المعنى الذي يُوحى به ما يُستخدم من عبارات تحت هذا المسمى، الحكمة هي أن تبتعد عن المقولات و القوالب و الأطر الجاهزة التي تصف أو تضع قواعد عامة للنظر أو التعامل مع الواقع.
الحكمة هي أن "كل شوكة بتطلع بدربها"، كل واقعة لها فرادتها و تميُّزها، و يجب بالتالي أن نتعامل على هذا الأساس، لا أن نسعى دائماً إلى ادراجها ضمن أطر و قوالب جاهزة معدة سلفاً.
الحكمة أن لا نبحث عن قواعد عامة مجردة لنحفظها ثم نطبقها في المواقف التي نعتقد أنها تندرج ضمن هذا الإطار أو ذاك. و انما أن نتعامل بالطريقة الصعبة مع كل حالة كشيء فريد.
الحكمة أن لا نفكِّر و إنما أن نرى. "لا تفكر، أنظر" هذه العبارة استخدمها فتجنشاين كحل لمشكلة الفلسفة، لتلك النزعة لفهم الأشياء من خلال نظريات مفسرة شاملة. بالنسبة لفتجنشتاين ليس من الضروري أن توجد نظرية مفسرة للغة، و هو يرى أن هناك أشياء لا يُمكننا القول فيها، و ما لا يُمكننا القول فيه يجب أن نصمت حياله، و كان قد وضع الدين و الأخلاق ضمن حدود ما لا يمكن القول فيه.
(بالنسبة للدين أنا أعتقد أن هناك أشياء يجب عليه أن لا يتكلم فيها أيضاً و إلا فقد وضع نفسه في مرمى النقد، هذه رؤية فصلت فيها في مواضع أخرى. )
"لا تفكِّر، أنظر" لا يمكن اعتبارها حكمة، و إلا فإن ذلك تناقض، و الأمر لا يتعلق بمحاربة التفكير بقدر ما هو دعوة لفتح العين واسعة للنظر إلى ما هو موجود فعليا، بأكثر من التفكير في الأشياء من خلال مفاهيم مسبقة.
يُمكن أن يستمر الجدل مطولاً حول عدم إمكانية وجود نظرة موضوعية للأشياء، نحن دائما نفكر من خلال إطار، و دائما ننظر للأشياء من خلال منظور ما، و لا يُمكننا الإفلات من هذا المنظور . و لكن الإنسان يملك الميزة التي تجعله يدرك وجود المنظور، يدرك وجود النسبية على الرغم من أنه كإنسان غير مطلق.
أعجبتني رؤية فتجنشتاين المتأخرة للغة كشيء لا يُمكن استيعابه داخل نظرية واحدة، كألعاب مختلفة لا يمكننا حتى أن نترجم أحدها الى الأخرى حسب وصف جون سيرل. تبدو الفكرة واضحة لي الآن. ليس هناك ما يفرض على الألعاب المختلفة أن تندرج داخل بنية منطقية متماسكة ، و ليس هناك ما يلزم أن يوجد أي شكل من أشكال التكافؤ أو التماثل المنطقي بين أنشطة مختلفة من أنشطة البشر لغوية كانت أو غير ذلك.
فكرت في استخدام هذه الرؤية خارج نطاق اللغة، في الاجتماع الانساني ، في الحياة عموماً، و في تحليل المناقشات التي تدور في أكبر فضاء لإطلاق الأحكام عرفه التاريخ البشري، في أكبر مجال يوجد فيه صراع للقواعد و المعايير المصممة الجاهزة حيث يتم البحث عن الحكم الصحيح و الموقف الصحيح في الواقعة المعينة،أي في هذا العالم الاسفيري.
لقد أصبح لدينا مجال هائل من المعايير و الأحكام و القواعد لما يجب أن يكون عليه كل شيء تقريبا، من المواقف الفلسفية الدينية الى الآراء السياسية ، العلاقات الاجتماعية الى الزواج و الأسرة. كلها معايير تقول هكذا يجب أن تكون الأشياء. في كل قضية تظهر ينخرط الناس في البحث عن الرأي الصحيح و الحكم الصحيح و الموقف الصحيح، و أحيانا يُمكن أن يتم شيء أشبه بالتفتيش عن النوايا : يجب عليك أن تقول شيئا لنعرف رأيك و أين تقف.
لماذا يجب على الواقع أن يكون دائما قابلا للقياس بالمسطرة التي نحملها ، لماذا كل شيء قابل للحكم و للتفسير ، الواقع ليس بالضرورة متطابق منطقيا مع الطريقة التي نفكر بها أساساً، و بالتالي فليس هناك دائما مقابل ذهني في شكل حكم أو تصور أو مفهوم لكل واقعة من وقائع الحياة.
و لذلك فالحكمة هي النظر ثم النظر ، و الابتعاد عن الأحكام الجاهزة و تقبُل فكرة وجود أشياء غير قابلة للحكم و لا يمكن القول فيها و لا يجب، هناك أشياء نشاهدها و حسب مثل أي عمل فني عظيم. الأخلاق لا يمكنها أن تحكم على كل شيء، هناك معضلات أخلاقية كثيرة غير تلك التي يتكلم عنها الفلاسفة.
هناك أشياء موجودة في الحياة كجزء من نسيج الحياة و لكنها خارج نطاق اللغة، و بالتالى لا يجب أن نبحث لها عن تبرير في اللغة و لا في المنطق، فضلاً عن المعايير المستوردة من مجتمعات أخرى ، و تحديداً الغرب.
هناك أشياء لا تقع ضمن ما يُمكن وصفه بأنه خاطيء و مع ذلك هي لا تملك حجة بيضاء ناصعة تسر ناظر أهل التفكير النقدي، أو هي بتعبير نيتشه تملك حجتها في ذاتها و ليست بحاجة الى اثبات، و أيضاً لأن المنطق ليس هو القيمة المطلقة في الوجود. بمعنى أن المنطق لا يملك أفضلية على ملكات الانسان الأخرى و غرائزه، الا ضمن اطار محدد، أي داخل المنطق نفسه، بلغة فتجنشتاين عندما نصرح بأننا الآن داخل لعبة نستخدم فيها المنطق ضمن قواعد اللعبة.
نيتشه في هذا الصدد يعتبر أن العقل بحد ذاته قد ظهر كنتيجة للتدجين و الترويض للإنسان و أن الحكم على الحياة بواسطة المعايير المجردة للعقل هو نوع من معاداة الحياة، و من هنا مشكلته مع سقراط و أفلاطون و مع المسيحية.
يمكننا أن نربط بين نقد نيتشه للعقل المجرد كمضاد لغريزة الحياة و بين نقد فتجنشتاين للفلاسفة في خلقهم لمشكلات لا وجود لها أصلاً بسبب سوء استخدام اللغة. مثلاً السؤال ما هي العدالة كما لو أن العدالة هي شيء محدد موجود في مكان ما و له ماهية جوهرية يمكن الإمساك بها، أو ما هي الغاية من الوجود. أسئلة نصنعها نحن و ليس من الضروري أن توجد لها اجابات.
يمكننا أيضا أن نتكلم عن موقف مشابه من الأخلاق بين نيتشه و فتجنشتاين ، ودون أن يعني ذلك أن الأخير كان نيتشوياً. القاسم المشترك هو أن الأول وضع الأخلاق ضمن التاريخ كشيء تشكل في تاريخ معين، بينما الأخير نفى إمكانية الكلام في الأخلاق كونها ليست جزءً من العالم، أي ليست جزءً مما يُمكن للغة أن تقول عنه كلاما صحيحا، و في الحالتين يبقى الإنسان هو مصدر الأخلاق كصانع لها بإرادته بالنسبة لنيتشه، أو كمدرك لها بشكل صوفي سحري بالنسبة لفتجنشتاين. و أيضا هناك من يرى بأن فتجنشتاين يقول بأننا يجب أن نتقبل العالم على ما هو عليه و هذا موقف شبه نيتشوي.( إذا لم تعجبك هذه المقاربة فلا بأس، أنا أيضا لم تعجبني و أشعر بأن فيها نوعاً من "الطلس" و لكن هذا ليس جوهر الموضوع. يمكنك تجاهل هذه الفقرة).
بالنسبة للعلم فهو بكل تأكيد يسعى الى معرفة القوانين العامة التي تقف وراء الظواهر المختلفة، و لكن فكرة التعميم هي فكرة براغماتية إجرائية هدفها السيطرة و التنبؤ ، نحن نتعامل مع العالم المادي بطريقة براغماتية عملية حتى حينما نحاول فهمه، نستخدم التجريد نتجاهل أشياء نضع فرضيات و نختبر و نغيّر هذا كله نشاط إنساني ضمن تفاعل الانسان مع العالم. كلمة معرفة لها استخدامات غير دقيقة.
و هنا أيضاً فتجنشتاين مرة أخرى، من الأشياء المحيرة التي قالها هي أن الفهم عموما هو اتقان لمهارة و ليس عملية تحدث داخل الذهن. بالنسبة للعلم يمكننا أن ننظر له كممارسة كنشاط، أي كلعبة من الألعاب المتعددة التي تقوم على تطبيق مجموعة من القواعد و تحكمها قوانين.
عندما تقول أنا أعرف الشطرنج، فأنت تتكلم عن مهارة لا عن صورة ذهنية. هذا مثال لاستخدام كلمة "معرفة" في سياقات مختلفة.
و النقطة الأهم هي أن العلم يُعنى بالعالم المادي المنتظم و يعنى مرة أخرى فيما يتعلق بالانسان أيضا بالسيطرة على الإنسان بمعنى ما، مثلاً تنظيم المجتمع و تربية الإنسان و معالجته نفسياً إذا كان مريضاً. أنا هنا لا أقلل من قيمة العلوم و لكني أشير الى أهدافها البراغماتية العملية و التي تحققها ببراعة في أكثر الأحيان.
في النهاية قد لا يكون هناك شيء اسمه معرفة أصلاً بالمعنى المجرد للكملة و الذي يختلف عن المهارة و النشاط، قد يكون كل تفكير و كل كلام و كل ممارسة في النهاية عبارة عن تطبيق لخوارزميات ما، عبارة عن خطوات و قواعد و اجراءات و أن الإنسان ما هو إلا آلة عمياء صممها الانتخاب الطبيعي عبر تراكم طويل من الأخطاء و هكذا ظهرت الحكمة. في النهاية !
و لكن مع ذلك، حتى لو كنا مجرد آلات فبإمكاننا رفض الانقياد الأعمى للأحكام و المعايير الجاهزة بشكل أعمى. لا يمكن مرة أخرى في هذا السياق تجاهل نيتشه و موقفه من الأخلاق من حيث كونه رفض لما هو جاهز لما هو مكتوب و معد سلفاً.
نحن الآن نعيش في عصر يوجب علينا أن نكون نيتشويين على صعيدين مختلفين و متناقضين، من جهة هناك التقاليد القديمة الموروثة و من جهة هناك القيم و المعايير الحديثة المستوردة، كلها تريد أن تخبرنا نحن الذين نعيش في هذا التقاطع ما يتوجب علينا فعله، و كل منها منها له جنود متحمسون يستميتون في الدفاع عنها يسطرون على هذا العالم تقريبا.
و اتساقا مع هذا السياق، و ان كان الاتساق بحد ذاته من الأشياء التي لا يجب تقديسها الا في سياقات محددة ،أي عند ما تكون اللعبة هي تطبيق قواعد المنطق أو الرياضيات مثلاً، الا أنني اتساقا مع كل ذلك، لن أقول أكثر من أننا يجب أن نبقي أعيننا مفتوحة مثل الفنجان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك