تنقيب الظلام مأمون التلب ضِدَّ الحَيَاة (1) كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر الصدفة والنظام - Hooosh News

Hooosh News

الموقع الرسمي لمنصة الحوش Hooosh.فضائية الحوش على النايل سات التردد 10815 أفقي ترميز 27500

اخر الأخبار

اعلان

ضع إعلانك هنا

اعلان

إعلانك هنا

الاثنين، 13 أغسطس 2018

تنقيب الظلام مأمون التلب ضِدَّ الحَيَاة (1) كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر الصدفة والنظام


أغلب المعارف المكتسبة تأتي بالصدفة، يقولون. مقولةٌ أخرى: العالم متحرّك، بكل غموضه، إلى فَتْنِ الكائن البشري، وفي ذات الوقت، يضع أمامه كل المبررات التي تذهب بعقله باتجاه مملكة (الصدفة) الهانئة، حيث لا أسئلة حول المنبع، بل الاستمتاع بالماء المتدفق؛ الغرق الذي لا يتحمّل الكائن وجوده داخل الزمان. أعتقد، من هذه الزاوية، أن وجود النبع الغامض لكل لحظةٍ داخل الزمان، هو من أكبر الأسباب التي تجرفنا إلى الاعتقاد بصُدْفيَّته، قل، بعبثيّةٍ ما، تسلبنا الجمال والإحساس بالخلق.
هذه العبثية التي يرفضها كل شخصٍ عندما يتعلّق الأمر بالـ(نظام)، الاحتياج الجارف الأحمق للنظام؛ عندما يتعلّق الأمر بشيءٍ يوميٍّ كالذهاب إلى الحمام؛ تناوُل الوجبات المُقرّرة على البشريّ، لكننا نرحّب بالعبثية ما إن نلمس شيئاً خارقاً للعادة، ونحتمي بها من قوّتنا الكامنة، من خيالنا ومن قدرتنا على التصديق بأن (هنالك حياة أخرى)، ساريةٌ في أعصاب العالم، تمنحه هذا الوجه الغالي، المَغْلِيّ، وتلك الأحشاء الثائرة دائماً، مثلما نصدّق بوجود حممٍ أسفل الأرض عندما نراقب بركاناً، فلماذا لا نستطيع أن نرى هذه البراكين تشيع الفوضى في وجهٍ سعيدٍ ومستمتعٍ لآخر قطرةٍ بما اقتنصه لذاته من لذّة، سرقها وهرب، لن يلتفت وراءً، لن يخبر أحداً، إنه فعلٌ ينتمي، بكل تجلياته، إلى الطفولة.
كنتُ دائمَ التفكير في الحياة الأخرى، كيف تبدو تصوّرات الذين وصلوا إليها؟، ما النظرة التي يعودون بها إلى العالم كما نعرفه (جميعاً). (جميعاً) هذه تدفعني إلى تساؤلٍ آخر، هل لكلٍّ منهم نظرةً خاصة؛ زاوية خاصة يرى بها ذلك العالم، ومن ثَمّ تنعكس إلى عالمنا؟، أم لكلٍّ عالمه كما هي الحال هنا: آراء واختلافات في كل شيء، ولكنها مستورةٌ بالأفكار الجماعية، وهذه النقطة، على ما أعتقد، اجترارٌ لحديثٍ سابق.
طاقة العالم الآخَر المنبعثة إلى الخارج
وإن كنتُ دائمَ التفكير، إلا أن ارتباط فعل (سرقة اللحظات) ـ الهروب بها إلى كهفٍ بعيد، خارج أو داخل الإنسان، والتستُّر عليها ـ ارتباط هذا الفعل بالطفولة تسرَّبَ لي من كتابٍ أطالعه هذه الأيام بعنوان (إسطنبول، الذكريات والمدينة) للروائي (أورهان باموق)، تعالوا نقرأ ما كَتَبَ في لحظةٍ من لحظات تذكُّره لطفولته، بعد سرده حوادث عدَّةً تذهب به إلى عالمه الآخر:
(كنتُ أظنُّ طوال تلك السنوات أنني الوحيد الذي يمتلك هذه الموهبة الفاسدة والغامضة، وكان من الطبيعيّ ان أخفيها في عالمي الآخر، حيث كانت لمتعتي والشر الذي بداخلي سلطة مطلقة. كان هذا هو العالم الذي أَدْخُله حين أتظاهر، نتيجةَ السأم التّام، بأنني شخصٌ آخرَ في مكانٍ آخر. كان الهروب إلى هذا العالم الذي حجبته عن بقية الناس بالغ السهولة).
أما إذا كنا نريد ان نشاهد ومضةً من عالمه، تعالوا نقرأ ما كَتَبَ بعد هذه الفقرة بمدة قصيرة:
(كانت جدتي تقول حين أستغرق بوضوح في أحد أحلام اليقظة التي أُخرجها بعناية: "لا تهزّ رجليك هكذا، تصيبني بدُوَار".
كنت أتوقف عن هزّ رجليّ، لكن الطائرة داخل حلم يقظتي ما زالت تميل داخل الدخان المتصاعد من سيجارة جلينجيك وخارجه وهي ترفعها إلى شفتيها، أدخل سريعاً إلى الغابة التي بها كثيرٌ من الأرانب، وأوراق الشجر والثعابين والأُسُود، وقد سبق وأن تعرفت عليها من الأشكال الهندسية على السجاجيد. كنتُ دائمَ الغوص في مغامرةٍ من إحدى القصص المصورة: أمتطي حصاناً وأوقد ناراً وأقتل عدّة أشخاص. وكنت أسمع، بأُذنٍ واحدة؛ تنتبه دائماً للأصوات الخارجية، صوتَ غَلْق باب المصعد، وقبل عودة أفكاري إلى الهنود الحمر شبه العراة، ألاحظ أن إسماعيل البوَّاب صعد إلى طابقنا. كنت أستمتع بإشعال النار في المنازل، وقذف المنازل المشتعلة بالرصاص، والفرار من المنازل المحترقة عبر الأنفاق التي حفرتها بيدي، وببطء أقتل الذباب الذي حبسته بين حافة الشباك وستائر الحرير المعبقة برائحة السجائر. كان الذباب عندما يقع على حافة المثقبة فوق المدفئة يشبه قُطّاع الطرق الذين يدفعون في النهاية ثمن جرائمهم. وكان من عاداتي، حتى بلغتُ الخامسة والأربعين، حين أكون في تلك السحابة اللذيذة بين النوم واليقظة، أن أتلذّذ بأنني أقتل بعض الأشخاص. وأود الاعتذار لبعض أقاربي ـ مثل أخي القريب جداً من نفسي ـ وكثير من السياسيين ونجوم الآداب والثقافة ورجال الأعمال، الذين كانوا من أكثر الشخصيات المتخيَّلة ضمن ضحاياي. ثمة جريمة أخرى متكررة: قد أسرف في العطف على قطة، لمجرد أن أضربها بوحشية في لحظة يأس، وأخرج من هذا الموقف بنوبة ضحك تجعلني أخجل من نفسي، وبعد ذلك أُمْطِر هذه القطة المسكينة بمزيدٍ من الحب. وبعد ظُهر أحد الأيام، بعد خمسة وعشرين عاماً، وأنا أقضي الخدمة العسكرية وأشاهد سَرِيَّة كاملةً تتسكّع بين الكانتين بعد الغداء للحديث والتدخين، نظرت إلى سبعمائة وخمسين جندياً متشابهين وتخيلت أن رؤسهم مفصولة عن أجسادهم. وأنا أتأمل أعناقهم المدمّاة من بين دخان السجائر الذي غمر الكانتين، الذي يشبه الكهف بضباب، رقيق أزرق شفاف، قال لي أحد الاصدقاء من الجنود: «توقف عن هزّ رجليك يا بني. إني مجهدٌ وعندي ما يكفي»). هل أطلتُ عليكم؟.
رمالٌ مُتحرِّكة
مشاهد متداخلة بالأبيض والأسود، لـ(سلمى حايك) و(راسل كرو)، كلٌّ في غرفته يمزّق الآخر، أعني يمزّق حياةَ الآخر في بيته؛سلمى تمزّق صُوَر راسل، هداياه، كل الأطباق التي تناولا فيها الطعام تتحطّم!. في المقابل، يحطّم راسل الدُّمى الخاصة بها في بيته، اللوحات، يلقي بكتبها من النافذة؛ عنف؛ عنفٌ حُبيٌّ وغضبٌ لا محدود؛ إنهما العاشقان اللذان لا يعودان إلى بعضهما البعض إلا ليفترقا في فيلم (Breaking Up)، يحدُث في أرقى العائلات؛ كما يقولون.
ولكن، هل تصوّرتُ أن الفيلم رومانسيّ؟، في البداية، نعم، كنت أظنّ ذلك، وهو مشوّق يجذبك إلى المنطقة التي تتحطّم فيها العادات المكرَّرة في الأفلام الرومانسية، فبعد الانفصال والعودة، لأكثر من ثلاثين مرة، وبعد أن يخوض كلٌّ منهما تجارب مع أشخاص آخرين، بعد أن تشتعل الغيرة وتنشب كل أنيابها في جلودهما، بينما يتظاهران بالصداقة، يدخل (راسل) إلى مكتب سلمى ويطلب منها الزواج، الآن، بعد تلك اللحظة، يتخلّى الفيلم عن كونه رومانسياً.
يمكننا أن نراقبهما، بعد أن وافقت سلمى ـ بعد إلحاحٍ ومَكَناتٍ حُبِّيَّةٍ طَرحها راسل على أرض حياتها ومصيرها ـ يمكننا أن نراقب مشاهد نَقْل الأثاثات؛ الصناديق المليئة بالإطارات والمرايا؛ الدواليب الصغيرة والكبيرة، الشريط اللاصق يُسحَب على الكراتين بيدِ راسل، سلمى تَجُول ببصرها، تتحسّسُ به جَسَدَ شقتها الخالية؛ المُفرَّغة على ظهر شاحنةٍ تحت إشراف حبيبها المتحمّس. بعد قليل؛ قليلٍ جدّاً، تبدأ الصور التي كُنت أشاهدها من حينٍ إلى آخر، في منزل سلمى، بين مَشَاهد الفيلم السابقة عندما كان في طور الرومانسيّة؛ تبدأ الصور في تَفجير معنى وجودها، صورٌ لـ(آينيشتاين، فْرُويِد، ماركس)!.
المشهد: سلمى تجلس القرفصاء أمام باب ثلاجتها المفتوح بضوءٍ ساقطٍ عليها، تتحدّث بيأسٍ عن قراءاتها المتكرّرة لآينيشتاين، تتحدّث عن نسبيّة العالم، وحبيبها يشتمّ رائحةً غير محبّبةٍ من خلال هذا اليأس، إنه يبدو خائفاً، ويُخفي خوفه بضجرٍ مصطنَعٍ يبثّه إليها، علّها تتوقّف عن هذا الخطاب الطويل، والمُرعب!. إنها لا تشرح النظرية فقط، بل كانت تحكي، من خلالها، عن العالم بحروباته واختلال موازينه، انهيار الأُسُس؛ اليقين؛ كُنت أرى، في تلك اللحظة، انعدام أمانها من عيونِ آخرَ يحنُّ عليكَ وينظر إليك في ظلامٍ وليلٍ طويل، أراها تحوم داخل أبراجٍ مشيّدةٍ وناطحات سحبٍ لا تدري ما الذي يجري بداخلها، ولماذا؟ وكيف تتمّ عمليات صناعة العالم الآن؟، وبأيةِ سرعةٍ بأيّ خفاءٍ بأيّة سريّةٍ تُدَار عقول البشرية السائرةِ في صحراء.. صحراء؟!، أم غابات متشابكة؟، سرابات؟، أم توحّشٌ يترقّب ويترصّد؟.
قالت إنها، رغم تكرارها لقراءة كتبه، لم تفهم ما الذي كان يريد أن يقوله (هذا الأحمق؟)، المتهوّر الذي قاد عالماً كاملاً إلى هاويةٍ غير معروفة. تنتقل بعد ذلك، حاملةً خنجرها المُغطّى بدم آينشتاين، لتطارد ماركس، وفرويد، بذات الكيفية، وتُعلن: (نحن لم نفهم هؤلاء الثالثة، ولكن.. أتدري ما الذي حدث من بعدهم؟، أصبح العالم غيرَ مفهومٍ لنا جميعاً، لم نَفهمهم، فأفقدونا معرفةَ العالم)!. انطلقت جيوشُ أَرَضَةِ الشكّ صوب الحياةِ بكلّ ما فيها. كانت تصرخ بهيستيريا دفعت بـ(راسل) إلى إنهاء الخطاب الذي خَسَف بطبيعيّة الفيلم، ودعاها إلى ركوب الشاحنة التي تَحمل ذكرياتها مُجسّدةً في أثاثات بيتها. كنت أسأل نفسي، بخبثٍ ربما: هل ستظلّ هذه الأثاثات هي نفسها بعد أن تنتقل إلى بيتٍ آخر؟؛ بيت يحمل بصماتٍ وذكرياتٍ لآخَر وآخرين؟.
المشهد: نائمان في سريرٍ واسع، كلٌّ يحتلُّ طرفاً بعيداً عن الآخر، ويُغطّون أجسادهم بمِلايةٍ واحدة، تبدأُ سلمى بجذب المِلايَة، كذلك يفعل راسل، ببطء، ثمّ يزداد الشدّ عنفاً، سلمى تجذب بعنف، راسل كذلك، تزداد القوّة والعنف، يزدادان عناداً وتصميماً للاستيلاء على (الغطاء)!، لا تكمن الكارثةُ هنا، تكمن في أن هذا المشهد لا يكتفي بكونه صراعاً على غطاء، وإنما تتخلله لقطاتٌ مُلهمةٌ جداً:
مشهد جانبي أوّل ـ خلال الصراع:
سلمى وراسل، بملابس الزفاف، في كنيسةٍ جميلةٍ وبرّاقة، يقفان أمام قسٍّ هادئ ومسالم الوجه والابتسامة، يصرخ راسل بوجهه: هل تقبل بها (يشير إلى سلمى) زوجةً لك في السراء والضراء؟، في الأوقات الصعبة والجميلة؟، في السعادة والحزن حتى يفرقكما الموت؟. (القس يبتسم بهدوءٍ في وجهه) تصرخ في وجهه سلمى بدورها: هل تقبل به (تشير إلى راسل) زوجاً لك في السراء والضراء في الأوقات الصعبة والجميلة؟ في السعادة والحزن حتى يفرقكما الموت؟. فجأة، يبدأ القس في القهقهة، فاقداً هيبته وطيبته، يقهقه عالياً بشرٍّ يتطاير من عينيه ويقترب وجهه منهما، يظهر راسل وسلمى وقد ارتسمت علامات الدهشة والرعب على وجهيهما، ينظران إلى الأسفل، تنزل الكاميرا معهما ، فيتضح أنهما، من الأسفل، لا يزالان بملابس النوم (بالجوارب أيضاً) بينما يرتديان، في النصف العلويّ، ملابس الزفاف!.
مشهد جانبي ثانٍ:
راسل وسلمى، في الكنيسة، بملابس الزفاف، يطوفان حول فرويد ـ الذي حلّ محلّ القس ـ ويُقرّعانه حول نظرياته النفسية، يتّهمانه بالغباء أحياناً، ويعْرِضان عليه ما وصل إليه العالم من تفتُّتٍ بعده. يراقبهما بوجهٍ مُقطّب، يدوران من حوله، يتحوّل فرويد إلى ماركس، يقفان أمامه ويصرخان بحدّةٍ ليُسْمِعَاه، من خلال شعارات وهتافات الثوّار، الذين يلوّحون بالأعلام الحمراء من خلفهم، ويقفون بأقدامهم على كَنَبات الكَنيسة، يصرخان ليخبراه بما وصل إليه العالم، أيضاً، من بعده، وتأثيرات أفكاره. يتحوّل ماركس إلى آينشتاين، والذي لا ينظر إليهما، بل يتابع ـ ربما ـ فكرةً تتهادى فوقه، يحاول أن يمسك الفراغ وينظر إلى الأعلى بشعرٍ مُشعّثٍ متصاعدٍ كدخاخين بيضاء، يقرِّعانه بقسوةٍ ويتبادلان الخطاب بقوّةٍ ثمّ... ثم يتجاهلان آينشتاين ويغرقان في حوارٍ عنيفٍ بينهما، هو يتحدّث حيناً، وهي حيناً بصراخ. تعود الكاميرا، من حين إلى آخر، إلى مشهد الصراع الرئيسي على السرير، سلمى تشدّ الملاية بقوّةٍ كبيرةٍ فيسقط راسل من السرير، تعود الكاميرا إلى مشهد الحوار الساخن؛ تصرخ سلمى فجأةً في وجه راسل: (هل تقبل بي زوجةً لك، في الحبّ والكراهية، في اليأس والأمل، حتّى يفرقنا الضجر، أو الخيانة، أو الموت؟)، تستمر في الصراخ: (هل تقبل؟)، تصرخ وهي تقذفه بالأزهار في وجهه: (هل تقبل؟). راسل ينظر إليها بفزع ودهشة فاغراً فمه.
ينتقل المشهد، بسرعة، إلى كنيسةٍ حقيقيّة، القس يقف أمامهما والأهل والأصدقاء يملأون مقاعد الكنيسة بابتساماتٍ فرحة، ويتطلعون إلى رَدّ راسل على طلب القس: (هل تقبل؟)، راسل بملامحه ذاتها يلتفت لسلمى وهي تتحدث من بين أسنانها: (قُل قَبِلت، هيّا)، يسألها: (هل هذه كنيسة حقيقية؟، ألسنا في حلم؟)، تردّ عليه: (لا أيها الأبله، قل: قَبِلت). يسقط راسل من طوله على بساط الكنيسة الأحمر، مغمىً عليه، بعد محاولاتٍ يائسةٍ لنطق الكلمة التي ستربطه، حتّى الموت، بحبيبته التي طاردها بعناد لتقبل بهذه الخطوة.. خطوةٌ على رمالٍ متحرِّكةٍ تُغطي سطح العالم... كلّه.
يوتوبيا التّشابه
ما الذي أقحَم هذا الفيلم في هذه الكتابة؟، أعتقد،إضافةً إلى اهتمامه بقضيّة الشكّ واختلال أُسس العالم على نحوٍ غير مسبوقٍ في التاريخ المعروف للبشريّة؛ ما سأتحدّث عنه لاحقاً؛ وقوفه (ضدّ الحياة) بمعناها المُسوَّق له في أغلب الأفلام الأمريكية، والمتمثّلة هنا في (ضرورة الزواج والاستقرار في نهاية المطاف)، كذلك (السلام، الحب، العدل...إلخ) استناداً إلى مسلّمةٍ منحوتةٍ من العقلية التقليدية والحاكمة للمجتمع الأمريكي وغيره من المجتمعات في العالم: (النهاية السعيدة للبشرية على صورة يوتوبيا التشابه)، لمزيد من الشَّرْح (الذي أَمْقَتُه)، فإن العالم يبدو، من بعيد، كُتلاً غير متناسقةٍ ومختلفةٍ عن بعضها، إلى حدٍّ أصبح معه ثمة مفهومٌ يُدعَى (الآخر). ولكن، كما أرى، فإن أمريكا، الدولة المتّهَمة دائماً، ما زالت تُحكم بعقليّة قديمة وكلاسيكيّة ومحافظة (طبعاً مجتمعاتنا ترى أنها متفوّقةٌ على أمريكا بـ«المحافَظَة»، ويعتقدون أنه مجتمع منحلّ أخلاقياً، وتبدو للعديدين نقطةَ تفوّقٍ خارقة)، لكن ما يبدو اختلافاً في العالم إنما هو الحيوات الفرديّة والحوادث المنشرة في «الميديا» وما تُخرجه الفنون، بمختلف أنواعها، من جديدٍ وغريبٍ دائماً عن الإنسان، الفكر والفلسفة، إضافةً إلى موسوعة (جينيس) بالطبع، وكتب الإثارة وأخبار المنوّعات التي نجد فيها غالباً (امرأة تَلِد كلباً) أو (طماطم على شكل وجه)..إلخ، ولا ننسى المُضلّل الأكبر: السياسة؛ والتي تجعل العالم، فعلاً، مُستغلقاً وعصيَّاً، معقَّداً وغير مفهوم، برغم بساطة النظر إلى الكائن البشريّ وتشريحه بعلوم الطبّ، والخبرة الحياتيّة.. لكن، دعونا ننظر إلى هذه الأشياء، وغيرها، وندقّق في الكيفية التي تُعرض بها المادّة/الخبر/الحدث السياسيّ-الاجتماعي/القصة/ الفيلم/الفن؛ (سأتحدث بعد قليل عن الفن المقصود هنا، فهو ليس «مطلق فن» وإنما هو روح محدَّدة من أرواح الفنون العديدة، وأظنّ أنها الغالبة، والسبب الرئيس في وجود عدد ضخم جدّاً من الفنانين، «المشهورين؟»)، إن نظرنا سنكتشف أننا بصدد تشابهٍ جذريّ بين العقليات التي تُنتجها، فَهُم، على الأقل، متّفقون حول القيم والمعاني الخيّرة، والتي صمد في مواجهتها فيلم: Breaking Up.
رموزٌ مُحَطِّمَة
أدركتم، على ما أعتقد، أنهما لن يتزوجا من بعضهما البعض لبقيّة حياة الفيلم، ليس ذلك فحسب، بل سيتزوجان من أشخاصٍ آخرين، ويلتقيان بعد عدّة سنوات. والذي سيحدث بعد هذا اللقاء الأخير، سيوضّح، بصورةٍ أفضل، وأشد قسوة، أنهما حطّما (الحياة)، بالمعنى الذي تناصبها بها هذه الكتابة العداء، حطّما الحياة بالانطلاق من نقطتين:
1- معايشتهما لذلك الحب القويّ، وانتصاره ـ الحب ـ على نحوٍ مؤقت، على نوعية الحياة (الحقيقية والخيّرة) المُقدّمة لهم من قبل مجتمعهم عبر القوالب التي ذكرتها منذ لحظة. لم يكن الحبّ، شخصياً، أو قوّته هي التي دفعت بهما بعيداً عن هذا التيار الجارف، وإنما الرموز (ماركس- فرويد – آينشتاين)، أو بالأدقّ (الخلخلة) التي أحدثتها هذه الرموز لكل شيءٍ مفهومٍ بالنسبة لهما؛ غير مشكوكٍ فيه؛ وآمن، ومن ضمن هذه الأشياء: الحب!.
2- وهي الأكثر حساسيّة وجرأةً من الأولى؛ اللقطة التالية لافتراقهما، بعد عاصفةٍ من اللوم الموجّه للحبيب، و(الزَّرْزَرَة) حول انهدام الزواج؛ التكاليف التي صُرِفَت على الزِّفاف؛ المدعوِّين؛ والدة سلمى؛ بعد التجريح المباشر الذي مارسته عليه، يقرّران الانفصال مرّة أخرى بعد كلمةٍ أطلقها الحبيب في غضب: (أنتِ لا شيء)!، بعد ذلك ينتقل المشهد إلى منطقةٍ ذكيّة: هو على كرسيّ، وسلمى على كرسيٍّ إلى جانبه، مفصولان بقطعة خشبٍ ضعيفة. يتحدّث راسل عن تدرُّجات نسيانه لها، ففي يومٍ، بعد عامٍ، أدرك أنه لم يفكّر فيها، ولم يَرِد اسمُها في ذاكرته منذ شهرٍ تقريباً، عَرِف لحظتها أن كل شيءٍ انتهى، أنه تخلّص من مرضها العُضَال. هي كذلك، وعلى ذات النحو، وبجُمَل مختلفة. التقيا في فندقٍ ما في مدينةٍ أوروبية، خلال حفلٍ جمعهما، هو في الخمسين من عمره، وهي في الأربعين (تقريباً)، يسلّمان بحرارة، يتّفقان على موعد ويتحدثان: هي تُخرج من جيبها حافظةً تحمل صوراً لأبنائها الجميلين جدّاً، هو يُخرج أخرى مُحمّلةً بصور ابنه، هي لم تتزوّج من مثقفٍ قريبٍ من اهتماماتها، هو لم يفعل كذلك، هي تزوجت بمهندس كمبيوتر (ويكسب رزقاً جيّداً) كما قالت، هو كذلك.
(هل أنتِ سعيدةٌ في حياتك) يسأل بابتسامة مرتبكة. تقول بعد ارتباك: (نعم، بالتأكيد، نحن نحب أبناءنا، وفي استقرارٍ تامّ) هي تُعيد السؤال بعد فترة، هو يردّ بذات الطريقة، ثم.. يستغرب (بعد أن تزوجتُ، لم أتوقّع منك أن تتزوجي أبداً في حياتك)، هي تقول ذات الجملة، ينتهيان باعترافات الضجر المميت الذي يعيشه كلٌّ في حياته الزوجيَّة؛ كلٌّ في غرفته.
إن النقطة الجوهرية في الأمر هي التجريب، الذي ينتهي بالإنسان، وحيداً، داخل حياةٍ مشتركةٍ مع آخر في عالمٍ مُنهَدِم، وقد يظهر، بعد حينٍ وآخر، أنهما يحمدان للأقدار تلك القنبلة الرمزية التي نسفت الزواج القديم، للحب القديم، إن الحب، على الأقل، باقٍ كطيفٍ طائفٍ في نظراتهما إلى بعضهما في آخر لقطةٍ في الفيلم، بعد الحوار؛ الاعترافات، وهما مستندان إلى السرير بظَهرين حزينين، ينظران إلى ذلك الطيف السّالم من الحب القديم، تقول له: (يجب أن تذهب، الوقت تأخر)، يقول لها: (نعم، تأخر الوقت)، يستندان إلى بعضهما... ينامان.
أذكر أنني، كلما مررت بحقلٍ زراعيّ، وشاهدت (بؤس) الفزّاعات المنصوبة فيه على شاكلة (كيس نايلو حزين، ممزّق معلّقٌ على رأس عصاةٍ هزيلة)، كلما رأيتها تذكرت الزواج!. إن الطيور، طوال تاريخها وتجربتها منذ اختراع الفزّاعات (خيالات المآتة) لم تستطع أن تدرك أنها ليست بشراً، وإنما مجرّد أداة لإبعادها عن المحصول الجديد، فهي تواصل، حتى الآن، خوفها رغم انحدار مستوى صناعة الفزّاعات. كان البشر في الماضي البعيد يعتنون بها، يُلبسونها ملابس بشرية حقيقية، ويضعون على رأسها قبّعات، ويُكوِّرون الوجه ويضعون، أحياناً، عيوناً وشوارب، كان خوفُ الطيور مفهوماً حتى ذلك الحين، ولكن: (فزّاعات بهذا البؤس؟). إنني أشكّ في قدرة الطيور على التعلّم.
قاتلٌ مُتسلسل
إذاً؛ يبدو أن هذا البحث (ضد الحياة) يعمل على تنقيبٍ عن هذه الأعمال الأدبية والفنية والفكرية التي أُنتجت من تلك المنطقةِ المظلمةِ من (العالم الآخر)؛ حيث لا يزال «أورهان» الطّفل يمارس شروره، وما زالت العلاقات تنقطع وتتصل بين راسل وسلمى، حيث يتحوّل القتل إلى فنٍّ في رواية (العِطْر)، والوحدة والاختلاف التّام إلى مَسْخ فرانكشتاين، عندما يتحوّل الخيال إلى يقينٍ عند ريلكه لا محض تشبيهات وألعاب مجازية تستند في أساسها على الواقع الفعليّ لهذه التشبيهات وحركتها السطحيّة، والتي، بالتأكيد، ستجذب انتباه عددٍ لا بأس به من الجماهير التي تمرُّ من خلال السوق العربي وتتضجَّر من الحرّ والزحمة دون أن تنتبه إلى أغلى كائنٍ خُلق في السودان، والذي أُزيل بأمرٍ من حكومتنا بجَرّة قلم.
هذه الكتابة، من ناحيةٍ أخرى، ستتجه اتّجاهاً اجتماعياً أيضاً في تحليلها للظرف الاجتماعي السوداني حالياً، وخاصّة الأجيال الشبابية، الكُتّاب وغير الكتاب: الأطفال الذين يمتطون الدراجات النّارية في أشدّ الشوارع خطورةً، وبكل سرور؛ بكل فنّ. ولن أستطيع أبداً أن أغالب انتقاداتي للأعمال الفنية والأدبية التي تزحف على وجهها طلباً للحياة، أو هي في الحقيقةِ أعمالٌ مصقولةٌ بتلك الآلات الضخمة والمنتشرة في كلّ مكانٍ ككتب (نزار قبّاني)؛ وإنها لن ترى من العالم الآخر غير سطحه الطّافح في عالمنا الواقعيّ الملموس: (الطّائر يمثّل الحرية)، و(الحمامة تمثّل السلام)... بمناسبة حمامة السلام، دعوني أقتبس لكم من نصٍّ، هو أيضاً ضد الحياةِ بوجهٍ أو بآخر، للروائي المعروف (غونتر غراس) من روايته (الطبل الصفيح):
(إنني لا أودُّ أن أبعث الملل في أنفسكم من خلال وصف مشهدٍ مليءٍ بالأبراج والنواقيس التي لا تكفّ عن القَرْع؛ مشهد مدينة دانسغ المهيب الذي ما زال يحمل أنفاس العصور الوسطى، مثلما يُدَّعى، المشهد المحفور على آلاف اللوحات المعدنية الجيّدة، فأصفه من علوٍّ شاهق. لكنني في الوقت نفسه سأُحْجِم عن ذكر الحمائم، حتى لو قيل عشرات المرات وأُعيد القول بأن المرء يستطيع الكتابة عن الحمام بشكلٍ ممتاز. فالحمامة تبقى بالنسبة لي ليست بذات قيمة، بل إنني أرى النورس أكثر أهمية منها. أما مصطلح (حمامة السلام) فإنه يبدو لي صحيحاً فقط باعتباره مصلطحاً مغلوطاً ومتناقضاً. فمن الممكن أن أُحمِّل الصقر، أو حتى الحدأة مُفترسة الفطائس، رسالة سلامٍ بدلاً من أن أضع ثقتي بحمامةٍ مولعةٍ بالشجار والمشاكسة أكثر من مستأجري السماء كلهم. ويمكن القول باختصار: إن هناك حمائم فوق البرج. لكن الحمائم توجد عادةً فوق كلّ برجٍ محترم يَعتبر نفسه جديراً بهذه التسمية، بمعونة مرمِّمِه المسؤول عن حماية الآثار العمرانيّة القديمة).
سنحاول أن نجول في العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية، فالأمر لا يتعلّق بالقرن الحادي والعشرين فقط، وإنما بجميع القرون، حيث كان هنالك دائماً من يكتبون (حقولهم السوداء)(1)، سنبحث في هذه الفرضية، ونرى إن كنا سنعثر على (قاتلٍ متسلسل).
ـــــــــــــ
(1) (الحقول السوداء): تعبير لمحمد الصادق الحاج.
كتب المقال في العام 2009م، وهو إعادة نشر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك

اعلان

إعلانك هنا