هل الإسلام هو الحل فعلياً؟ نقد (الإسلام هو الحل) للكاتب هشام آدم - Hooosh News

Hooosh News

الموقع الرسمي لمنصة الحوش Hooosh.فضائية الحوش على النايل سات التردد 10815 أفقي ترميز 27500

اخر الأخبار

اعلان

ضع إعلانك هنا

اعلان

إعلانك هنا

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

هل الإسلام هو الحل فعلياً؟ نقد (الإسلام هو الحل) للكاتب هشام آدم


بقلم الكاتب السوداني: هشام آدم
يرفض كثير من المسلمين التسليم بفكرة فساد الدين الإسلامي ويميلون إلى الاعتقاد بأن السبب في تردي أوضاع الأمم الإسلامية وتخلفها يعود في المقام الأول إلى بُعد الناس عن جوهر الدين الحقيقي وعدم تطبيقهم له على النحو السليم. ويعتقد هؤلاء أن الإسلام في جوهره دين عظيم وشامل، به كل الحلول التي تكفل للمجتمع الحياة الكريمة والرفاهية ومبادئ التكافل الاجتماعي والمساواة والعدل والتسامح وغير ذلك من الصفات التي تؤهله فعلًا لأن يكون خاتمًا للديانات وأفضلها على الإطلاق، لاسيما مع صفة المرونة (صالح لكل زمان ومكان) التي يعتقدون أنه يتحلى بها. ونجد كثير من المسلمين المنتسبين إلى التيار المعتدل ينتقدون التيارات المتشددة ويتبرأون من أفعالهم التي يرون أنها منافية للدين ويذهبون إلى أن هؤلاء المتشددين هم السبب الرئيس في تشويه الدين، كما يعتقدون أن الإسلام كديانة يتضمن كل المبادئ الحقوقية التي توصلت إليها الإنسانية بعد قرون من التجارب المريرة والقاسية وصاغتها في شكل قوانين للحريات وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل، وإن الأمر فقط يحتاج إلى أن ينظر الناس بعين محايدة إلى الإسلام ليكتشفوا هذا الأمر. جزء من هذه الشريحة يرفض وبشدة فكرة الإعجاز العلمي في القرآن أو الحديث النبوي معتقدين أن الإسلام ليس بحاجة إلى مثل هذه الحجج لإثبات صحته، ولكنهم رغم ذلك يؤمنون بأن القرآن أو الحديث على حد سواء لا يتناقضان مع العلم. الحقيقة أن من يؤمن بفكرة (الدين لا يتناقض مع العلم) لا يعرف أن هذه الفكرة تنفي تمامًا إمكانية حدوث أي معجزة (حسب الفهم الديني للمعجزة)، حيث سيكون عدم فهمنا لأي ظاهرة راجع ليس لمعجزة إلهية فوقية وإنما إلى جهلنا المؤقت/الآني بالتفسير العلمي لهذه الظاهرة، لكنهم رغم ذلك يؤمنون بإمكانية حدوث معجزة لأنهم في الوقت نفسه يؤمنون بأن ثمة ظواهر خارقة للعادة والقوانين الفيزيائية، ولا أدري إن كان بإمكان القوى الإلهية (مصدر الأديان) أن تأتي بأفعال خارقة لقوانين الفيزياء (مصدر العلوم التطبيقية) فكيف يمكن القول بأن الدين والعلم لا يتناقضان(!) 

على أي حال ... هذه الشريحة من الإسلاميين هم في الحقيقة جزء من شريحة أكبر ترفع شعار (الإسلام هو الحل) وينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية معتقدين أنه لو أتيح للشريعة الإسلامية عقول تتفهم جوهره فإنه سوف يكون فرصة مناسبة لتوفير حياة أفضل في جميع المجالات: السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، وحتى على مستوى الحياة النفسية (الروحية). مع قناعة متعاظمة بأن الإسلام بسماحته التي تكفل حريات التدين والتسامح الديني سوف يكفل للجميع حياة أفلاطونية، فقط في حال تم تطبيقه بشكل صحيح وتم فهمه على النحو الأصح. فهل فعلًا الإسلام هو الحل؟ هل ما يعتقده هؤلاء صحيح ولو إلى حد معقول من الصحة؟ سوف أحاول في هذا المقال الإجابة على هذا السؤال بشيء من التبسيط والاختصار غير المخل.

حسنًا، ليس بوسعنا رفض أي فكرة بشكل قطعي على الإطلاق، كما أنه ليس بوسعنا القبول بأي فكرة بالمجمل وعلى الإطلاق كذلك ما لم يثبت فشل الفكرة بالتجربة وفي جميع الظروف. المدخل المناسب في اعتقادي للإجابة على السؤال الذي يطرحه هذا المقال هو معرفة جوهر الإسلام الذي يتحدث عنه المسلمون. فما الذي يقصده المسلم عندما يقول (الفهم الصحيح للدين)؟ على الأرجح فإن غالبية من يتكلمون عن جوهر الإسلام لا يعرفون ما يقصدونه على وجه التحديد ويكون معنى كلامهم هذا "الإسلام كما أفهمه أنا" وبالضرورة فهو يرى الإسلام دينًا كاملًا ومتسامحًا ومليئًا بالتعاليم السمحة ويتعجب من الانتقادات التي تقدم للإسلام ويراها هجومًا عليه، ويرى الإسلام دينًا حقًا جاء من عند الله وبالتالي فمن الاستحالة المبدئية أن يكون خاطئًا لأن الله لا يمكن أن يخطئ ولا يمكن أن يظلم وحتى إن رأى أو وجد في القرآن أو السيرة النبوية ما يمكن أن يشكل بالنسبة إليه شبهة من أي نوع فإنه يلغي عقله تمامًا ويتهم عقله بالقصور وعدم قدرته على فهم الحكمة الإلهية من وراء بعض الأحكام والتشريعات. هذا ما أسميه بالتصورات الشخصية أو الذاتية عن الشيء، وتصوراتي الذاتية عن الشيء لا تجعله كذلك في الحقيقة، فعندما أقول (الشتاء أفضل فصول السنة) فهذا يعني أن فصل الشتاء (من وجهة نظري) فصل جميل، ولكن وجهة النظر الذاتية هذه -حتى وإن كانت مستندة على حجج منطقية وواقعية من وجهة نظري- لا تجعل من الشتاء فصلًا جميلًا بالمطلق للجميع وفي كل الأحوال، فهنالك عدد لا بأس به من الناس لا يحبون فصل الشتاء لأسباب وحجج وجيهة بالنسبة إليهم ويحبون في المقابل فصل الصيف أو أي فصل آخر، يصبح الأمر إلى هذا الحد منحصرًا في حدود آرائنا الشخصية، ولكن تكون الطامة الكبرى عندما تعادي شخصًا لأنه لا يحب فصل الشتاء أو لأنه يرى أن فصل الربيع أفضل من الشتاء، بل ويحاول فرض محبة فصل الشتاء على الجميع وبالقوة، ويعتقد أنه من العدل ومن الضروري قتل أي شخص يعتقد أن فصل الصيف ليس أفضل فصول السنة أو يعتقد أن فصل الربيع أفضل من فصل الصيف بالنسبة إليه.

الأمر ذاته ينطبق على التصورات الذاتية لهؤلاء حول الإسلام، لاسيما مع وجود أدلة ونصوص تطعن في صحة هذا الزعم. ولكن من الغريب عند مناقشة هؤلاء حول بعض النصوص المحتوية على أحكام فإنهم يطالبون بألا نأخذ النص خارج سياقه التاريخي وإنه يتوجب علينا معرفة أسباب نزول الآيات (لماذا وفيمن نزلت) لأن النص يناقش بالضرورة قضية تاريخية محددة، ولكنهم في الوقت ذاته يرفضون تطبيق الأمر ذاته على نصوص أخرى ولا أجد مثالًا على ذلك أفضل من آيات الحرب والقتال التي يوعزها المسلمون إلى مناسبات محددة وبالتالي فهي مختصة بهذه الحالات والمواقف بعينها، ولكن يمكن أخذها بالتعميم أو كفرض أو منهج قرآني، بينما آيات التسامح آيات لا زمان ولا مكان لها، ويرفضون أخذ مناسبتها أو أسباب نزولها في الحسبان. إذًا فنحن أمام عقول تكيل بمكيالين، وهو ما يجعل نقاشنا معهم أمرًا صعبًا أو شبه مستحيلًا لأنني شخصيًا أعتبر ذلك نوعًا من المراوغة. أولئك الذين يطالبون بضرورة وضع السياق التاريخي للقرآن في عين الاعتبار يتناسون أن هذا من شأنه في النهاية الاعتراف بنهاية النص القرآني لأن كل الآيات والسور القرآنية جاءت في مناسبات وسياقات تاريخية محددة.(!) 

البعض الآخر لا يعتبرون جوهر الدين هو مجرد تصوراتهم الشخصية أو الذاتية عن الدين وحسب وإنما ما يسمى بالمقاصد العليا للإسلام وهي خمسة: 
حفظ الدين 
حفظ النفس 
حفظ العقل 
حفظ المال 
حفظ العرض 

هذه المقاصد هي من تأليف الإمام الشاطبي واجتهاده ورؤيته الشخصية للإسلام، وليست واردة في أي نص ديني موثوق، ولا أدري إن كان رأي الإمام الشاطبي ملزمًا لأحد أو مقدسًا بأي حال من الأحوال! عمومًا ... بالإمكان مناقشة هذه المقاصد ومقارنتها ببعض التعاليم لمعرفة مقدار صحتها من عدمه، وهو ما سيجعل من المقال أطول بكثير، وربما يحرفه عن مساره الطبيعي، ولكن أكتفي بالإشارة إلى المقصد الأول من هذه المقاصد وهو (حفظ الدين) فما الذي قصده الإمام الشاطبي عندما قال (المقصد الأول من مقاصد الشريعة الإسلامية هو الحفاظ على الدين) إن هذه الفكرة قد تنطوي على عدد وافر من الاحتمالات وأقلها يكمن في القتال (الجهاد) في سبيل هذا الدين، وهذه لوحدها تدخلنا في دوامة تناقض كبيرة بين ثيمة التسامح وثيمة القتال من أجل الدين. والواقع أن أغلب الغزوات الإسلامية قامت ليس بواعز الدفاع عن النفس وإنما بدافع ما يسمى نشر الدعوة الإسلامية. 

حسنًا ... دعونا نلقي مسحة سريعة على الثيمة الأساسية للإسلام كديانة. الإسلام أحد الديانات الإبراهيمية وهي امتداد لرسالة موسى وعيسى وتجديد للديانة الإبراهيمية القديمة وبالتالي فهي ديانة توحيدية تدعو إلى الاعتراف بإله واحد مستحق للعبادة عبر طقوس وشعائر محددة. تأتي ميزة الإسلام الأساسية حسب اعتقاد متبعيه من كونه خاتمًا للديانات وهذا يعني أن يكون أفضل مما سبقه فليس بالإمكان التصديق بأن تكون نظرية لاحقة أقل أو أنقص من نظرية سابقة، ودائمًا التجربة الأخيرة أفضل من التجارب الأولى، فعندما تحاول إلقاء قطعة معدنية داخل وعاء من مسافة عشرة أمتار فإن المحاولات الأخيرة تكون أدق من المحاولات الأولى لأنك تكون قد تمكنت من احتساب البعد والاتجاه والقوة اللازمة لإسقاط القطعة المعدنية داخل الوعاء عبر عدد من المحاولات الأولية الفاشلة أو المفتقدة إلى الدقة. فيأتي الإسلام ليعبر عن مبادئ أشمل وأعم وأفكار ختامية ونهائية بكونه خاتمًا للديانات وكون نبيه خاتمًا للأنبياء، فهو دين كامل لا يمكن توقع أن يأتي شخص أو فكرة لتضيف عليه شيئًا وإلا أعتبر ذلك انتقاصًا من هذه الديانة ومن رسالة نبيها بشكل عام. هذه القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الإسلام يجعلها ديانة فوقية دون أدنى شك، فهو الدين المتفضل والمتصدر على بقية الديانات لأنه (كما تقدم) الدين الأكمل والأفضل بحكم أنه الدين الخاتم، وهذه الفوقية تجعل من الأتباع (المسلمين) يتعاملون بفوقية مع أتباع الديانات الأخرى، ورغم أن هذه الفوقية مستشعرة من قبل الجميع إلا أنها لا تكون كذلك بالنسبة إلى المسلمين أنفسهم، فما يقوم به المسلم من سلوك ينافي المبادئ العامة للحريات لا يراه هو كذلك لأنه يمارس الفوقية دون أن يشعر بذلك، فهو يعتبر ذلك حقًا ممنوحًا له من الله، ولهذا قد يصر المسلمون في دول الغرب على إقامة المساجد وأداء الشعائر بل ويطالبون بذلك جهارًا وربما قاموا بتظاهرات عندما يستشعرون تقصير هذه الحكومات تجاه حق من حقوقهم، ويقومون بنشر المصحف وترجمته وإقامة مراكز للدعوة الإسلامية والتوعية في حين أن كثير من الدول الإسلامية ترفض بشكل مبدئي السماح ببناء الكنائس أو المعابد للمسيحيين أو اليهود المقيمين على أراضيهم، وإن سمحوا بذلك فهم لا يسمحون بترجمة أو نشر كتبهم المقدسة أو نشراتهم الوعظية ويرون في ذلك نوعًا من التبشير الذي يعتبر حربًا على الإسلام، ولكنهم لا يرون نشر المصحف حربًا على المسيحية مثلًا بل ولديهم مكاتب ومنظمات وهيئات دعوية في الدول الغربية مهمتها نشر الديانة الإسلامية والتبشير بها في البلاد ذات الأغلبية المسيحية ثم إنهم يأتون ليتفاخروا بانتشار الإسلام في تلك الدول. هذه فوقية لا يحسدون عليها على الإطلاق. هؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا أن المبادئ لا تتجزأ أبدًا وأن ما لا تقبله على نفسك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبله على غيرك. 

حسنًا .. الإسلام كديانة بدأ لأول مرة عند ظهور رجل يدعى محمد عبد الله (الاسم حسب كتب السيرة النبوية) في حقبة زمنية محددة ومنطقة جغرافية محددة يدعي أنه نبي ورسول من الله وأنه على صلة بالقوى السماوية وأنه يوحى إليه وأن ديانته هي امتداد للديانة اليهودية والمسيحية وتجديد لملة إبراهيم الحنيف. حدث هذا الأمر قبل أكثر من 1430 عامًا تقريبًا ومنذ خروجه وهو يحاول حشد أكبر عدد ممكن من الأتباع حوله، ورغم الرفض القاطع الذي وجده في بداية دعوته لأسباب تتعلق في المقام الأول باقتصاد مكة القرشية والتي كانت تقوم على علمانية مكة وتعدد آلهاتها وأصنامها إلا أنه نجح أخيرًا في إقامة دولة مصغرة مستفيدًا من التحالف القبلي بين قبيلتي الأوس والخزرج اليثربيتين ومستغلًا لظرف موضوعي جدًا في تلك الفترة. والمتفحص للتاريخ الإسلامي في تلك الحقبة يجد أن المتضرر الأول من قيام تلك الدولة في تلك المنطقة الجغرافية هم اليهود. ونجد أن الإسلام (دين التسامح) لم يستطع أن يجد صيغة مناسبة لاحتواء أزمة اليهود والتعايش السلمي معهم وانتهى الأمر بنفي اليهود من يثرب بعد مجزرة دموية لا يستطيع أحد إنكارها. ولكن المسلمين لا يرون في تلك المجزرة أي بشاعة أو تعارض مع سماحة الإسلام لأن الأمر بالنسبة إليهم مرتبط بمبدأ العقاب الإلهي الذي أنزله الله على اليهود بسبب خيانتهم للعهود والمواثيق وهو الأمر الذي كرس له القرآن في العديد من الآيات بعد أن حاول كسب ودهم في البداية ثم انقلب عليهم فجأة وبدأ يصفهم بذلك وكأن الأمر كان مجرد تمهيد. وعندما يتسنى لك المزاج الكافي لتسأل أحدهم عما حدث لليهود فإن أول جملة تتوقع أن تسمعها منهم هي: "اليهود يستحقون ما حدث لهم." فهم المخطئون وليس الدخيل الذي جاء ليفرض ديانته وقانونه على أهل المدينة السابقين على وجوده. وهنا دعونا نتوقف عند نقطة أعتقد أنها مهمة، ففي الأثر أن اليهود حاولوا اختبار محمد ونبوته عبر سؤاله بعض الأسئلة التي لا يعرفها إلا الأنبياء، ورغم أن محمدًا فشل في الإجابة على أغلب هذه الأسئلة، إلا أن فكرة اختبار اليهود لمحمد تعتبر فكرة غريبة قليلًا؛ إذ أن الأثر يقول أيضًا إن السبب الرئيس في عداء اليهود لمحمد وتكذيبهم له هو أنهم كانوا ينتظرون أن يكون نبي آخر الزمان منهم وليس من العرب، فلماذا حاول اليهود اختبار محمد إذا كانوا واثقين من أنه دجال (حسب كتبهم التي تقول إن نبي آخر الزمان سيكون منهم؟) من وقع في هذا التناقض: اليهود أم المسلمون؟ إذا كانت معلومة الأصل العرقي لنبي آخر الزمان هو كتابهم المقدس فإنه لا مجال للتحايل على الأمر، فاليهود تعتبر التلمود والتوراة مقدسين كما يعتبر المسلمون القرآن مقدسًا ولا يكذب أيضًا، فكما أن المسلم لا يشك في مسألة رفع الله لعيسى وعدم قتل اليهود له لأنها مذكورة في القرآن ولأن القرآن لا يكذب، فكذلك اليهود لا يشكون في مصداقية كتبهم التي تقول إن نبي آخر الزمان سيكون من اليهود وليس من العرب، وإجراء اختبارات وامتحانات لشخص يدعي النبوة رغم أنه لا تنطبق عليه المواصفات يدل على أن ثمة شك، فمن أين جاء هذا الشك؟ 

من السهل على المسلمين طبعًا أن يميلوا إلى التصديق بأن اليهود لا يثقون بكتبهم لأنهم يعرفون بأنها محرفة، وهذا الرأي منفلت من بكرة أكبر بكثير من بكرة سهولة الإدعاء بتحريف اليهود لكتبهم، ولكنها بكرة الفوقية التي تجعل المسلمين غير قادرين على التصديق بأن علاقة أصحاب الديانات الأخرى بكتبهم ومقداساتهم وشعائرهم لا تقل قوة وقداسة بأي حال من الأحوال بعلاقتهم بالقرآن وبالمقدسات الإسلامية، فالمسلم يعتقد أن إيمان المسيحي بالمسيحية وبالإنجيل لا يعادل إيمانه بالإسلام والقرآن ويعتقد إن علاقة السيخي بآلهاته لا تقل قوة وتقديسًا عن علاقته بالله، وهي إنما إحدى نتائج الفوقية التي يتمتع بها المسلمون للأسباب التي ذكرناها آنفًا. {{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون}} فهذه الفوقية لها ما يبررها لديهم، كيف لا وأمة محمد هي أول أمة تبعث من القبور، ونبي الإسلام هو الوحيد القادر على الشفاعة لتخليص الناس من انتظار الحساب يوم الحشر (الأنبياء الذين رفضوا أو سيرفضون الشفاعة إنما سيفعلون ذلك بسبب خطاياهم ولا ندري ما هي خطيئة عيسى مثلا أو يحيى أو شعيب حتى يتنازلوا عن الشفاعة لمحمد رغم خطيئاته*)، وأمة محمد هي أول أمة يبدأ بها الحساب، وهم أول من سيدخل الجنة، وهم الشهداء على بقية الأمم لأنهم {{خير أمة أخرجت للناس}} فلا مجال بالنسبة إليه لإنكار هذا الفضل المتسبب في هذه الفوقية.

عمومًا رأينا أن بداية تكوين الدولة الإسلامية في مهدها كانت بداية إقصائية تم فيها تقتيل اليهود ونفيهم ثم تأتي بعد ذلك مرحلة تاريخية مهمة للغاية وهي الاستيلاء على مكة وأسلمتها، وهو ما يُعرف في التاريخ الإسلامي بفتح مكة. والغريب أن عددًا وافرًا من المسلمين يشعرون بالزهو والفخر لما فعله محمد عبد الله إبان غزوه لمكة مما ورد من تلك القصة المشهورة التي خاطب فيها محمد أهل مكة وعفوه عنهم، ولكنهم بالمقابل لا يذكرون أول فعل قام به محمد بعد دخوله مكة عندما بدأ بتحطيم الأصنام وتكسيرها. وإنني لأتساءل: إذا كان الإسلام دين تسامح ويكفل حرية العبادة والتعايش السلمي مع بقية الديانات فلماذا لم يأمر المشركين بأن يأخذوا أصنامهم بعيدًا عن الكعبة (باعتبارها بيت الله) وأن يعبدوها بعيدًا عن نطاق الحرم المكي؛ لاسيما وأنه قال: {{لكم دينكم ولي دين}} (مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الآية نزلت في مشركي قرشي بالتحديد) فكيف لمشركي قريش أن يمارسوا شعائرهم بعد أن هدم محمد أصنامهم مستقويًا بجيشه الجرار الذي دخل به على مكة دون مراعاة لحرمة مكة وحرمها؟ أين التسامح في هذا الفعل؟ مرة أخرى تأتي الفوقية الإسلامية لتقول: إنه أمر طبيعي أن يهدم محمد الأصنام فهي تعتبر شركًا. أقول: إنها تعتبر شركًا بالنسبة إليك كصاحب ديانة مخالفة، ولكن بالنسبة إليهم فإنها ديانتهم ومقداساتهم. (راجع مثال فصل الشتاء والربيع!) فهل للمسلم أن يضع نفسه في مكان الآخر ولو لمرة واحدة ويحاول تصور الأمر من تلك الزاوية. ماذا إن كان المشركون هم الأغلبية وجاءوا ليهدموا المسجد النبوي في يثرب ليقف أحدهم فيقول للأقلية المسحوقة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"! هل كان للمسلمين أن يعتبروا هذا الفعل مما يحمد لمشركي قريش في كتب السيرة والأثر؟ 

ثم بعد ذلك يأتي عهد الإمبريالية الإسلامية، لتظهر تلك النوايا التوسعية للإسلام، والتي يعتقد المسلمون إنها من أزهى الحقب في التاريخ الإسلامي ويتفاخرون بها حتى اليوم تحت مسمى (الفتوحات الإسلامية). فما هو الفتح الإسلامي؟ الفتح الإسلامي بكل بساطة وبعيدًا عن التلفيق التاريخي واللغوي: غزو مناطق جغرافية وثقافية بعينها بغرض التبشير بالإسلام وفرض الإسلام كديانة وثقافة على تلك المناطق بالقوة، وكان محمد عبد الله يبعث مع جنوده برسالة إلى أمراء وملوك تلك المناطق يخيرهم فيها أحد ثلاثة أمور: إما الإسلام، أو دفع الجزية، أو الحرب. وإني لأتمنى من كل مسلم ذو لب أن يقول لي أين التسامح في مثل هذا الطلب؟ كيف يمكن أن نتقبل فكرة التبشير بالإسلام بالترهيب بهذه الطريقة؟ هل وقفت عزيزي القارئ على المفارقة الطريفة: (نشر دين التسامح بالقوة!) إنه لأمر غريب لاسيما عندما نجده متعارضًا مع قوله {{ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}} فأين هي الحكمة وأين هي الموعظة الحسنة في ذلك؟ سيقول البعض إن المسيحية كانت تظلم المسيحيين وإن الإسلام جاء وأنقذهم وأنهم شهدوا بعهود من الرخاء في العهد الإسلامي. أقول: كيف لنا أن نحكم على ذلك إذا كان الكتاب الوحيد الذي نستشهد به هو كتاب تاريخ "إسلامي"؟ كيف يمكن لنا أن نحكم على ذلك لاسيما ونحن نقرأ في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه {{حتى يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون}} هل هذه هي الطريقة التي يبشر بها المسلمون لدينهم؟ لماذا هذا الاحتقار للآخر؟ ولماذا يجب أن يدفع الآخر مالًا مقابل أن يمارس شعائره وطقوسه الدينية؟ هل يمكن أن نتوقع من دولة مثل بريطانيا (باعتبارها أكبر دولة أوروبية من حيث عدد الجاليات الإسلامية) أن تفرض رسومًا على المسلمين لتسمح لهم بأداء الفرائض الدينية؟ ثم نقول: "إنها فقط رسوم رمزية للغاية!" كيف تسنى للمسلمين أن يروا العدل في كل هذا الظلم والجور؟ ومن أين أتى أولئك الذين يدعون بأن الإسلام دين تسامح وتعايش سلمي بهذه الفكرة وهم يقرأون هذا التاريخ المليء بالظلم والبشاعة؟ ألم يقرأوا عن ثورة العبيد في بلاد الشام؟ أو لم يقرأوا عن ثورة الحدادين؟ وعندما تواجههم بذلك يقولون لك: الجزية كانت أمرًا رمزيًا وهو أقل بكثير مما كان يفرضه عليهم الحكام غير المسلمون، ولكن هل كان الحكام الغير ملسمين يفرضون عليهم تلك الضرائب مقابل السماح لهم بأداء فرائضهم الدينية؟ هل يصبح من العدل أن تفرض الحكومات الأوربية مثلا مبالغ مالية ولو رمزية على الأفراد أو العائلات المسلمة التي لجأت إليها هربا من ظلم وجور حكومات بلادهم تحت مسمى (رسوم حماية)؟ الواقع أن تلك البلاد العلمانية الكافرة تقدم مساعدات مالية وخدمات اجتماعية للاجئين ولا تأخذ منهم أموالا نظير حمايتهم.

حسنًا ... كيف كان الواقع الأخلاقي في بداية الإسلام؟ عندما تقرأ في التاريخ الإسلامي عن الغزوات الإسلامية نجد أن السبي ظل موجودًا حتى بعد الإسلام، بل وحتى بعد وفاة النبي فالإسلام لم يحرم السبي وهو استرقاق النساء المأسورات في الحروب وهي كانت عادة معروفة عند العرب قبل الإسلام، ولكنه لم يمنعها ما يعني أنه لم يكن ينظر إليها على أنها أمر معيب أو غير أخلاقي ومن المعلوم أن المرأة التي تسبى في الحرب تصبح ملكًا للذي أسرها ويحق له أن يضاجعها سواء أكانت بكرًا أو ثيبًا دون الحاجة إلى عقد زواج، وهو ما فعله محمد عبد الله نفسه، ولا أدري ماذا قد يسمى ذلك إن لم يكن زنا بواحًا؟ والأمر نفسه ينطبق على الرق بشكل عام فالإسلام لم يحرم الرق ولم يمنعه مما يعني أنه رآه أمرًا طبيعيًا ولا أدري أين تذهب فكرة المساواة مع وجود عبيد وسادة في ديانة تفتخر بالمساواة بين الناس كالإسلام؟ والغريب إن محمدًا نفسه قد سبى إحدى اليهوديات (صفية بنت حيي بن الأخطب) بعد غزوه ليهود خيبر ونهب ثرواتهم ودخل عليها وهو في طريق عودته وكان قد قتل زوجها وأخاها وعددًا كبيرًا من أهلها، وشرد أباها، ولكن التاريخ الإسلامي يأتي ليخبرنا إنه خيّر هذه المرأة بين أبيها اليهودي الهارب وبين محمد (رسول الله) وأنها اختارت الله ورسوله!!! أي دجل وتلفيق هذا الذي يمكن للمسلمين أن يصدقوه؟ كيف يمكن أن تستشعر المرأة محبة لشخص قتل أهلها وزوجها وتقبل أن تنام تحته ولم ينشف دم زوجها بعد ولم تكمل عدتها؟ أي منطق هذا؟ قد يقول المسلمون إن الإسلام أمر بحسن معاملة العبيد والسبايا، وهو أمر غاية في الغرابة، فهل بإمكاننا أن نرفض قانون تجريم الرق الآن مع التأكيد على حسن معاملة العبيد؟ قد يقول البعض كذلك إن الإسلام لم يستطع تحريم الرق لأنه كان قوام الاقتصاد في ذلك العهد، وإني لأتساءل هل جاء الإسلام لحماية المصالح الاقتصادية لأقوام بعينهم (الأغنياء) أم جاء للجميع حاملًا رسالة تسامح سماوية ويبشر الجميع بأنهم متساوون؟ كيف يكون الجميع متساوين إذا كان هنالك عبيد وسادة؟ 

في السعودية وعلى مدار عشر سنوات ظل مجلس الشورى يدرس قانون إلغاء نظام الكفيل الذي يمثل أحد أشكال الرق المعاصر بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ولكن ورغم كل هذه الضغوطات من المجتمع الدولي لم تستطع السعودية إجازة هذا القانون لأن رؤوس الأموال كانوا يمارسون ضغطًا داخليًا بالمقابل، فهم الطبقة الوحيدة المتضررة من إلغاء هذا القانون لأنهم سوف لن يكونوا قادرين على التحكم بالأيدي العاملة التي تحت كفالتهم، مما سيؤدي بهذه الأيدي العاملة إلى ترك العمل لأن أوضاعهم المادية لا تجشع أصلًا على الاستمرار في العمل، يأتي قانون الكفالة هذا ليضمن للكفيل الضغط على الأيدي العاملة وإجبارهم على العمل تحت أي ظروف وحسب الأجر الذي يرى الكفيل أنه مناسبًا، وهنالك عدد كبير من القضايا التي يبت فيها مكتب العمل لعمّال وموظفين أجانب لم يتسلموا أجورهم لشهور طويلة. وفي البحرين حاولت الحكومة البحرينية إلغاء قانون الكفيل، غير أنها عادت وعدلت عن ذلك وأعادت تطبيق نظام الكفيل مرة أخرى أيضًا بضغط من رؤوس الأموال ورجال الأعمال. والسبب في ذلك كله يعود إلى عدم وجود تشريع إسلامي واضح يمنع الرق بكافة أشكاله. 

عندما نقرأ في كتب الحديث وبالتحديد باب العقوبات والحدود سنجد أن الحياة في المدينة لم تكن تخل من جرائم سواء سرقات أو شرب خمر أو زنا أو قتل وكل هذا في العهد الزاهر للتاريخ الإسلام أي في العهد النوراني وبوجود محمد عبد الله.. فلا مجال للطعن في تطبيق الشريعة الإسلامية. وهنا يأتي السؤال: إذا كان الإسلام (في عهد النبي محمد) لم يوفر التكافل الاجتماعي والديني والتعايش السلمي لغير المسلمين، وإذا كان الإسلام (في عهد النبي محمد) لم يستطع الحد من الجرائم وانتشارها، فمن أين جاءت فكرة أن الإسلام هو الحل؟ وكيف يرفض الناس التصديق بأن الخلل هو في التشريع الإسلامي وليس في التطبيق كما يزعمون. هل أخطأ محمد في تطبيق الشريعة الإسلامية مثلًا؟ حسنًا، كيف لنا بفكرة أو نظرية اجتماعية أو سياسية فشل صاحبها في تطبيقها قبل 1430 سنة ثم فشل أتباعه في تطبيقها ومازال تطبيقها فاشلًا حتى اليوم، كيف يمكن أن ندعي بوقاحة وقوة عين أنها قد تكون الحل؟ الغالبية العظمى ممن يرفضون الشيوعية اليوم يرفضونها لأنها فشلت في بلادها، ولا يقبلون تلك الأعذار التي تحاول وضع اللائمة على المطبقين. فعندما تقول إن الشيوعية فكرة جيدة ولكن مشكلتها الوحيدة هي مشكلة تطبيق فإنهم يرفضون ذلك جملة وتفصيلًا، فلماذا يقبلون بهذه الفكرة عند الكلام عن الإسلام؟ ما مصدر هذا التناقض؟ ثم أولم يتم رفض الإسلام في مهده (مكة) أول الأمر، فهل يمكننا رفض الإسلام لأنه كان مرفوضًا وفاشلًا في بلاده؟ 

الإسلام كديانة لا يمكن أن يكون هو الحل بل هو مشكلة قائمة بذاتها، لأنه دين فوقي بطبعه مهما حاول أتباعه التظاهر بالتسامح وإذا أصر هؤلاء على رؤية الإسلام على هذا النحو فإنه لا أقل من إعادة النظر في القرآن وحذف عدد كبير من الآيات التي يقرأها المسلمون في صلواتهم كل يوم مما تدعو إلى الحرب والقتال وتسيء إلى أصحاب المعتقدات الأخرى وتصفهم بأبشع الأوصاف، ولكن قبل هذا فلا يمكن أن يدعي أحدهم بسماحة الإسلام أو أنه هو الحل، وإنه وإن كان لنا أن نصدق بأنه قد يكون حلًا فهو قد يكون كذلك بالنسبة إلى المسلمين {{محمد والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}} فهو قد يكون دينًا متسامحًا وسلميًا ولكن للمسلمين فقط، وعندها يجب على المسلمين أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون، وإنك لتكون متصالحًا مع نفسك فلابد أن تتصالح مع غيرك، فهذا الزمان هو زمان كوني، لا يمكن لدولة إسلامية أن تطبق الشريعة الإسلامية على مواطنيها المسلمين دون أن تراعي المواثيق الدولية وتعمل بمبدأ حسن الجوار مع الدول الأخرى والتي قد لا تكون إسلامية بالضرورة. إن أولئك المسلمين الذين يملكون أفكارًا تقدمية ومعتدلة لهم أن يشكروا الإنسانية التي منحتهم هذا الوعي المتقدم تجاه الإنسانية وجوهرها، وألا يعتقدوا أن هذه الأفكار مستقاة من الديانة الإسلامية لأن ذلك يوقعهم في تناقض كبير بين ما يحملونه من وعي وبين ما يقرأونه من نصوص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اترك تعليقك

اعلان

إعلانك هنا